صوت الحق : كتب الصحفي معاذ الحنيطي
أعتقد أن ما ينقصنا ليس التاريخ، بل تحويل التاريخ إلى قصة تُروى.
كل الدول العربية تقريبًا وثّقت نشأة مدنها وعواصمها وتحولاتها الاجتماعية من خلال الدراما، لأنها تدرك أن الدراما ليست مجرد ترفيه، بل ذاكرة الشعوب، مصر فعلت ذلك في عشرات الأعمال، ودمشق حضرت في قائمة طويلة من المسلسلات، والسعودية قدّمت تحولات مجتمعها في “العاصوف” وغيره.
أما الأردن، فلا ينقصه التاريخ ولا الشخصيات ولا الأحداث، بل ينقصه أن تتحول هذه الذاكرة إلى أعمال درامية كبرى تحفظها للأجيال.
لدينا حياة العشائر والبادية والأرياف قبل قيام الإمارة، بما حملته من قيم الشهامة والكرم والفزعة والبساطة، ثم مرحلة تأسيس الإمارة وما رافقها من بناء الدولة والاستقرار والتوطّن، ثم قيام المملكة وما شهدته من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية صنعت الأردن الحديث.
لدينا قصص تستحق أن تُروى:
1- نشأة عمّان الحديثة منذ وصول الشراكسة وإعادة إعمار المدينة.
2- سكة حديد الحجاز ومحطة عمّان.
3- تأسيس الإمارة عام 1921 وبناء مؤسسات الدولة.
4- بطولات الجيش العربي ومعاركه التي شكّلت صفحات مشرقة من تاريخ الوطن.
5- القدس والضفة الغربية قبل عام 1967، والعلاقة التاريخية التي ربطتها بالأردن.
6- اللجوء الفلسطيني وأثره في تشكيل العاصمة والمجتمع الأردني.
7- حرب الخليج الأولى وانعكاسات دخول العراق الى الكويت وعودة الفلسطينيين باتجاه الاردن والتحولات الاجتماعية العميقة في حينه .
8- التحولات الاجتماعية التي نقلت عمّان من بلدة صغيرة إلى عاصمة عربية حديثة.
9- اللجوء السوري اثاره في محافظات الشمال والعاصمة والمجتمع الأردني .
10- وقصص السلط والكرك وإربد ومادبا ووادي رم والبادية والأغوار ومعان والطفيلة، فلكل مدينة ومحافظة حكايتها الخاصة التي تستحق أن تُروى.
لكن معظم هذه القصص بقيت حبيسة الكتب والأرشيف ، والعقول والذاكرة الجمعية ، ولم تتحول إلى أعمال درامية ضخمة تحفظ الذاكرة الجمعية، وتعرّف الأجيال بتاريخها كما فعلت دول كثيرة في المنطقة.
اليوم، ومع الحديث عن “السردية الوطنية”، فإن الدراما ليست ترفًا ثقافيًا، بل أداة لبناء الوعي، فالأجيال لا تحفظ الوثائق بقدر ما تحفظ المشاهد والشخصيات والأحداث التي تراها على الشاشة.
لذلك، ربما لم يعد السؤال: هل لدينا قصة؟ بل: متى سنرويها كما تستحق؟
إن الأردن بحاجة إلى مشروع وطني للدراما التاريخية يوثق نشأة عمّان، وتأسيس الدولة، وتاريخ الجيش العربي، والتحولات الاجتماعية والثقافية التي صنعت الشخصية الأردنية، ليبقى تاريخنا حاضرًا في ذاكرة أبنائنا، لا في رفوف الأرشيف فقط.
فالدراما ليست مجرد مسلسل… إنها ذاكرة وطن.
الصحفي
معاذ عطاالله الحنيطي